عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

84

معارج التفكر ودقائق التدبر

الجملة الثالثة : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : أي : لا يستطيع مخلوق في السّماوات والأرض ، أن يرفع عن وقتها الغطاء الثقيل فيكشفه ويعلم بوقتها المخفيّ المكنون . ويلاحظ الأديب الذّوّاق للأدب الرّفيع أنّه استعير في هذه الجملة « الثّقل » للدلالة على تعذّر وصول المخلوقات المدركة في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجنّ ، إلى العلم بوقت قيام السّاعة . وذلك لأنّ الثّقيل هو الّذي لا يستطيع المخلوق رفعه وحمله ، وهنا تنطلق أذهاننا إلى الأمور المعنويّة الثقيلة ، فالمشكلة الاجتماعيّة المعقّدة الصعبة الحلّ ثقيلة ، لا يستطيع المعالج حلّها ، ولا إدراك مفاتيح حلّها ، والمعضلة الحسابيّة ثقيلة لا يستطيع الحيسوب حلّها ، وإدراك التناهي في الكون دون شيء وراءه ، وكذلك نقيضه وهو عدم التناهي في الكون من الأمور المعضلة الثقيلة ، الّتي لا يستطيع العقل أن ينهي تساءله عند واحد منهما ، مع أنهما نقيضان لا بدّ من واحد منهما . أمّا ما يستطيعه المخلوق فهو إمّا خفيف بالنّسبة إليه ، أو مساو لقوّته . وقد يكون الشيء الواحد ثقيلا بالنّسبة إلى بعض المخلوقين ، وخفيفا أو مساويا بالنّسبة إلى قدرات آخرين . أمّا أن يتعذّر وصول أهل السّماوات والأرض إلى فعل أمر ما ، أو إلى علم أمر ما ، فهو دليل على أنّه أثقل من كلّ قدراتهم ، إذ تظلّ قدراتهم بالنّسبة إليه طائشة ، ويبقى هو في موضعه ثقيلا ، فلا تستطيع قدراتهم رفعه إلى حيث يسخّرونه أو يعلمونه . وحين يكون الغرض من رفعه كشفه والعلم به ، لأنّه في المكان الذي هو فيه محجوب مستور ، فإنّ وصفه بأنّه ثقيل يدلّ على أنّهم لا يستطيعون الوصول إلى العلم به .